عَلاَّم

صمت عن الكلام كصوم داوود عن الطعام و أعود اليوم لأكتب بإسم شاب اسمه علام يكره الإنسانية و جل أفكاره وحشية، لا يؤمن بالتعددية الثقافية، الفكرية او العقائدية.

لعلام تاريخ حياة مر سأسرده لكم بكل ما اقدر من جدية، علام شخص ولد لعائلة بلدية لا تعرف من مبادئ التربية إلا العصى و البونية، امه لا تؤمن الا بالخرافات و قرة عينها المواسم الفنتازية. ابوه عربيد تعارك في حيه مع كل نفس بشرية. عقل علام تطور ببطئ السلحفاة البرية، فكل أيام طفولته قضاها جالسا يراقب المارة من نافذة المنزل العلوية. كبر علام و بعد ان ضغط كل من في الحي على والده، قرر ان يأخده الى مدرسة عمومية، و لأنه كان مجبرا على هذا الفعل فقد قرر ألا يشتري له الكتب المدرسية. فوجد علام نفسه ملزما على ان يجلس دائما جنب ولد الحمرية، ذلك الطفل المتعجرف ذو اللسان العقربية، كان ولد الحمرية يطلق على علام كل الأسماء القدحية، و جعل حياته المدرسية حياة جهنمية. يتذكر علام ان الأيام التي قضاها غائبا عن أقسامه تجنبا لاستفزازات أقرانه، أكثر من عدد صفحات كتاب التربية الوطنية، فقد كان الهروب من القسم بمثابة المتنفس و المفر الوحيد من حياته المزرية. يقول علام ان أكبر ما تعلمه في المدرسة هو كيف يفكر بتشاؤمية، و تبقى الذكرى الجميلة الوحيدة لعلام من المدرسة هي تلك الصداقة التي بناها مع طفل اسمه هشام و قد سافر هشام لاحقا مع أهله ليستقر في إحدى الدول الأوروبية.

لم يطل مقام علام كثيرا في المدرسة، فاختار أن يجرب حظه في عالم الشلاهبية. طرق العديد من الأبواب إلا أن معظمها لم تفتح في وجهه و أصبح لا يرى إلا الهاوية. قرر علام ألا يطول مقامه في الظلام فرأى أن يشتري عربة يبيع عليها أيا ما كان لعلها تحقق له ولو جزء يسيرا مما كان له من أحلام. مرت الأيام وخابت توقعات علام فعربة الأحلام لم تصبح إلا عربة الأوهام.

في إحدى الأيام وبينما كان علام جالسا مع من كان يظنهم أصدقاء الزمان قرر أن يبوح لهم بما فيه من هيام اتجاه بنت في الحي تدعى سهام. و ما إن انتهى من الكلام حتى انطلق الجميع في الضحك بهستيرية، ولم يتوقفوا إلا بعد دقائق عديدة مرت على علام كالإعدام. انصرف علام حزينا فلم يعد يرى أي شخص يصلح أن يكون رفيق الزمان.

بعد أيام من الإنعزالية شاءت الصدف أن يلتقي علام بصديق طفولته المدرسية هشام. ما إن رآه حتى علت على محياه ابتسامة كابتسامة العروس في ليلتها الزمردية. شكى علام على هشام حياته القاسية و طلب منه أن يحكي له الحياة في الأراضي الأوربية، سرد هشام لعلام كيف أن حياته بعد أن هاجر إلى الأراضي الأوروبية اصبحت وردية، فحكى له عن العدل و الاحترام و الحرية و عن الأمل و المستقبل و التفاؤلية. كان حديث هشام على علام كهطول المطر على الأرض البورية، فعلام لم يخل يوما أن هناك بلاد يعيش فيها الانسان بتلك العفوية. ما إن سمع علام هذا الكلام حتى بدأ الحلم في الهجرة إلى أي كيان حيثما كان، لكن بعد أيام أيقن علام أن العين بصيرة و اليد قصيرة ،فتفطن إلى فكرة بمعاييره الفكرية كانت عبقرية. ذهب إلى أحد الأشخاص فطلب منه أن يتوسط له لكي يشتغل كحمال في أي مطار. فهو أراد أن يرى تلك الأجناس البشرية التي تأتي من الدول الغربية عسى أن يتعلم منها ما يفيده في حياته المزرية. نجح مراده هذه المرة و حصل على ما طلبه لأول مرة.

بدأ علام عمله منذ أيام لكنه لا يزال غير قادر على أن يستوعب ما يرى في عمله من نكران العرفان، فكلما قدم شخص من دولة غربية إلا نظر في علام نظرة ريبية أو تكلم معه باستعلائية، فالظاهر أن شكل علام لم يعجب هؤلاء الإفرنجية. بعد أيام أيقن علام أن أمله قد خاب في التعلم من هؤلاء الافرنجية, و بعد ان ضاق درعا من العقلية المغربية، ما كان من علام الا ان كره الإنسانية فقرر أن يعتزل كل الناس عسى أن يتنفس عبق الحرية. حياة علام الصعبة جعلت نفسه البشرية تحمل من الشحن السلبية ما يكفي لصنع قنبلة نووية.

رأى علام أن يشد الرحال هذه المرة إلى الملاهي الليلية، عسى أن يجد فيها المتنفس لحياته المزرية. اصبح هم علام الوحيد هو ان يوفر ثمن الويسكية و ان وفر المال بطرق ملثوية و كانت ازهى ايامه حين يكون له من المال ما يسمح له بتبديل البيرة المحلية ببيرة افرنجية. مرت سنوات و علام على هذا الحال فلم تزدد احزانه الا تعاسة, فقرر ان يراجع حساباته و هرول هذه المرة الى مسجد عسى ان يجد فيه ضالته المجلية. و لان حياته لم تكن يوما ما منهجية فقد قرر ان يتعلم من الدين ما ارتاحت له نفسه الغير سوية. لم ينقب في الدين الا على ما يشفي ما اختلج في صدره من حزن و جفاء, فاصبحت افكار علام اكثر ظلامية, لكن الإشكال اليوم هو انه اصبح يدافع عنها بآيات قرآنية، و ما ان يجادله اي احد الا اتهمه علام بالكفر أو الإلحادية. علام لم يعش يوما واحد رآى فيه الخير من البشرية فكيف يمكن ان يقبل اليوم بنصيحة اي شخص في هذه البرية. هذا ما جادت به الايام على علام فلا هو نال طفولة الاحلام او ظفر بسهام و لا ذاق حلاوة الدين بسلام، فنفسه الان تأن بالالام و دمه اصبح يجري بالأحزان.

علام هي شخصية خيالية اردت من خلالها تصوير كل تلك المشاهد التي نمر عليها في حياتنا اليومية في العديد من الدول العربية. تلك المشاهد التي نرى من خلالها اناس بصفات بشرية لكن باخلاق ليست ادمية. علام تلك الشخصية التي اطلق عليها الشارع المغربي الظاهرة البوزبالية و التي تحمل انحرافات فكرية، سلوكية، عقائدية او نفسية، هي نفس بشرية في حالة مرضية. مواجهة هذه النفس البشرية بالغلظة و الشدة كوضع الملح على الجرح فهذا لا يزيد المشكل الا تفاقما. و تجنبها و الاعراض عنها كترك نزيف الدم، فالجرح ان ترك زاد تعفنا. و ابعاد مثل هذه الشخصية عنك بالمال، كسكب الماء على الرمل فهذه الشخصية لا تعرف الشبع. لست هنا لاقول لكم ان لا دواء لهذا الداء و لكن لاقول لكم بان مرارة الدواء ستكون امر من الداء. اذ يتوجب على جميع افراد المجتمع المشاركة الايجابية في استئصال هذا الداء لان الجميع شارك او يشارك في صنع هذه الشخصية المريضة و العدوانية . ناهيك على ان المدة الزمنية لازالة مثل هذا الداء طويلة, فهي بطول جيل كامل، لان الطريقة الامثل لمحاربة هذا الداء هي المساهمة في تربية جيل جديد تكون له مناعة من كل تلك الامراض النفسية التي تولد تلك الشخصية البوزبالية. و تربية هذا الجيل المحصن يستلزم تغيير طريقة تفكير كل افراد مجتمعاتنا من براعمنا حتى شيوخنا. و لكي اكون عمليا فان أول سؤال يجب ان نطرحه كأفراد في هذا المجتمع هو هل ساهمنا او نساهم في تسميم نفوس افراد المجتمع الذين دائما ما هم من حولنا من خلال تصرفاتنا، كلامنا او حتى نظراتنا، و هنا استحضر هذه المقولة الشهيرة لسيدنا علي “خاطبوا الناس على قد عقولهم”. اما السؤال التاني الذي من شأنه ان يجلب لكم طمأنينة الروح و القلب ان كنتم ضقتم ذرعا من تصرفات امثال علام فهو سؤال اودكم ان توجههوا لانفسكم كل مرة تصادفون فيها علام الا و هو ماذا لو كنت انت علام، هذا و السلام.

One comment

  1. “علام تلك الشخصية التي اطلق عليها الشارع المغربي الظاهرة البوزبالية و التي تحمل انحرافات فكرية، سلوكية، عقائدية او نفسية” أسلوب جميل و قوافي رائعة و تساؤلات جديرة أن تطرح… ماذا لو كنا نحن بوزبال؟ وما ذنب بوزبال؟ و هل هناك أمل أن يتغير بوزبال؟ و هل من جدوى أن يتغير بوزبال؟ #hakwara

    Like

What do you think?

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s