أتعبتني يا وطني

railway_05_hd_picture_168611

وقفت أبحث عن سيارة أجرة تقلني إلى وجهتي ، كان الأمر شبه مستحيل في بلد تضيع فيه الحقوق والقوانين، فهناك من السائقين من يمتنع لقصر المسافة، وهناك من يتدخل في تحديد الوجهة وهناك من يحدد السعر مسبقا “وكاين اللي كيوقف كتهضر معه مكايجاوبكش ويكسيري ويزيد”.
نجحت المهمة “حيث بقيت في السائق على حد تعبيره” وانطلقنا في رحلة حرب تحملت خلالها وقاحته وتهوره دون الحديث عن مظهره الخارجي والحالة الميكانيكية للعربة.
صاحبنا لا يؤمن بقانون السير ولا يهتم لأرواح الناس وللإشارة فقط ، كان يستمع لبرنامج ديني لكنه لم يكلف نفسه عناء التأمل في الرسائل الأخلاقية السامية للدين “قلت في نفسي عادي شعب كيصلي وكيصوم وغدي يموت باش يحج ومع ذلك كيرشي وكيغش وكيكذب ومافقلبوش الرحمة ولكن ماشي مشكل”، تذكرت أنني في بلد تاهت فيه الأخلاق بين المظاهر والنزعات الفردية.
دقائق عصيبة في “ضيافة” الطاكسي الكئيب لينتهي بي المطاف إلى محطة القطار، من بعيد سمعت صراخ البعض ليتضح لي فيما بعد أن الأمر يتعلق بمعركة بين رجل الأمن الخاص وزبون. لم أحاول البحث عن أصل المشكل، لكن ما أثارني هو حالة الهيجان التي كان عليها حارس الأمن حتى أنه نزع بذلته الرسمية وحاول الاعتداء على الزبون لولا تدخل البعض.
تنفست الصعداء حين انطلق القطار لكنه سيقف بعد دقائق دون شرح السبب “حيث ماكايناش شي حاجة سميتها خدمة أو احترام الزبائن”
“وقلت مع راسي كيفما مول الطاكسي كايحس براسو داير فيك خير، التران حتى هو هازك غير في سبيل الله”.
سننطلق من جديد لكن هذه المرة على إيقاع ضجيج اختارأحدهم أن يتمايل هو على نغمات موسيقاه، فيما علي أنا أن أقاوم وأتحمل “حتى يحن ربي وينزل واحد فينا”.
ستنقذني الأقدار وينزل صاحبنا في المحطة الموالية، لتحمل المشعل سيدة وتفرض على الكل اختيارها لسورة بتلاوة أحد المقرئين، مع أن المكان لا يسمح بالخشوع أو التعبد “وإذا هدرتي يكفروك مع أنني متأكدة أن شحال من واحد كيشاطرني الرأي”.
المهم الوجهة كانت مصحة تقع وسط العاصمة وتضم أغلب التخصصات، وهنا تعرفت على وجه آخرمن أوجه الفوضى التي يعيشها مجتمعنا، صادفتني وجوه مرضى أنهكهم الداء وأهلكتهم تكاليف العلاج، يواجهون عند كل رحلة علاج رفقة ذويهم فضاضة العاملين بالمصحة رغم المصاريف الباهظة التي يدفعونها.
تألمت لقصص معاناة أسرأجبرت على مسايرة جشع طاقم طبي يتاجر بأمراضهم ويتخبطون هم بين (النوار) والشيك والبقشيش.
الحمد لله زيارتي اقتصرت على عيادة قريب، لكنني أحسست بالدوار في مكان تنطق ردهاته بالألم والمعاناة. إحساس أتعبني لأيام وفقدت معه السيطرة على أعصابي وفكرت في رواد المصحة، قد يكون منهم حارس الأمن الخاص الذي سيفجر غضبه في وجه أول عابر يتخطى مجاله المغناطيسي، ومنهم الموظفة التي ستثور لأتفه الأسباب، ليتخبط الجميع في دائرة الإحباط واليأس.
صدقوني، الإحباط و اليأس والغضب أمراض معدية تنتشر أمواجها خاصة حين تجد المجال الخصب ، نفسية هشة هزتها ظروف الحياة القاسية ستنهار عند أول اختبار.
المهم بحثت عن أرض خضراء تحضنني أستلقي فيها بأمان، لم أسلم من نظرات مكبوتة لعقول مريضة استفزها منظري فاخترت العدول عن فكرتي البريئة وتذكرت مرة أخرى أن وطني خذلني، أتعبني بفوضى باتت تسحب ذيولها وتسوقني عنوة نحو المجهول.

One comment

What do you think?

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s