السندريلا

ttronslien-1585


يحز في نفسي أن أجدها منهارة يائسة… توقفت عقارب أيامها واختارت أن تعزف سمفونية اللحن الحزين على فراق “حبيب” هجرها دون وداع … رحل واستمرت هي في النحيب حزنا على فراقه… ستنهي الحداد فقط عند قدوم “حبيب” جديد… لتتواصل أوراق عمرها في التساقط غصبا كلما تتكرر السيناريو… هي أسيرة ما يصطلح عليه بعقدة سندريلا، عقدة قد لا تتلاشى معالمها حتى حينما ستعثر أخيرا فارس الأحلام.
العقدة أماطت عنها اللثام الكاتبة الأمريكية كوليت دولينج Colet Dowling في كتابها (عقدة سندريلا The Cinderella Complex) وتعرفها كالتالي:
“الشبكة التي تضم العديد من الإتجاهات والمخاوف المكبوتة، والتي تبقى النساء في منطقة شبه الظل أو شبه الضوء، وتمنعهن من الاستخدام الكامل لعقولهن وقدراتهن الإبداعية، ومثل سندريلا تجلس النساء اليوم قابعات ينتظرن شيئًا خارجيًا يغير حياتهن”.[1]
تحليل دولينج كان انطلاقا من تجربة شخصية ، حيث تحكي كيف أنها وجدت نفسها وحيدة في منزلها عندما أصيبت بأزمة أنفلونزا حادة:
“لقد شعرت بالعزلة القاتلة في الحجرة التي بدت لي واسعة جدًا وقد عزلت نفسي عن أبنائي حتى لا أنقل إليهم العدوى وقد بت أتذكر نفسي عندما كنت طفلة صغيرة ودقيقة التكوين وقليلة الحيلة عرضة للإصابة بكل شيء وكيف كنت أشعر حينذاك بقدر كبير من مشاعر البؤس ليس بسبب الأنفلونزا حينذاك ولكن من الشعور بأنني منعزلة ووحيدة وهائمة؛ وقد حدث توقف في مجرى أفكاري، لقد تحققت أنني وحيدة وبدون أي خداع لنفسي فقد اعترفت لنفسي أنني قضيت فترة طويلة أحاول تجنب بذل الطاقة، إننى أكره أن أكون وحيدة، أريد أن أعيش مثل الحيوانات الكيسية التي تعتمد على آبائها وأشعر أنني في جلد كائن أخر، وما تبينت أنني أريده حقيقة هو أن أكون آمنة وموضع رعاية الآخرين ولذا فإنني لم أجد شيئًا جديداً، فإن هذا الشعور جزء مما استشعرته لفترة طويلة”.[2]
دولينج أشارت أيضا في كتابها إلى تجربة الطلاق التي مرت منها في السبعينيات واستعرضت الفرص التي سنحت للنساء آنذاك للتمتع بحقوقهن الاجتماعية والاقتصادية كما توقفت عند إحساس بعضهن بالخوف من تحمل المسؤولية واختيارهن الرجوع إلى الوراء.
عقود مرت على صدور الكتاب وعقدة سندريلا لاتزال شبحا يطارد العديد من الفتيات ممن يعتبرن الرجل المصدر الوحيد للشعور بالأمان، فعلى الرغم من تمكنهن من تحقيق طموحاتهن الشخصية والمهنية إلا أن منهن من أسرن نفسهن أملا في الاحتماء بين جناحي رجل ومنهن من اخترن العيش في ظله.
واقع أسست له أساليب التربية وقواميس المجتمع وريبيرتوارات الحكايات… حكاية الأميرة النائمة التي تنتظر الفتى الذي سيعيدها إلى الحياة… جميلة هي الرومانسية ورائعة النهاية حين ستلتقي الأميرة أخيرا بحبيبها، لكن من المؤسف أن تسمح الأميرة لحياتها بأن تتوقف إلى حين قدوم فتاها…
فبالإضافة إلى قصص الأطفال التي تحصرفي كثير من الأحيان شخصية الفتاة في دورالأميرة الجميلة /النائمة أو الفتاة المغلوبة على أمرها، تنحى الشخصيات الكرتونية نفس المسار، فنجد في غالب الأحيان البطل الفتى شخصية قوية في حين توضع البطلة في قالب الرفيقة المحتاجة للرعاية والحنان.
وبالرجوع إلى العديد من البرامج الإذاعية التي تستضيف أخصائيين نفسانيين ومختصين في التنمية الذاتية، نلاحظ وبشكل جلي المكالمات الهاتفية التي تتقاطر من سندريلات العصر:
(مشا وخلاني) (كنعاني الويل معاه وماقادراش نطلب الطلاق حيث خايفة نواجه الحياة بوحدي) (عندي مؤهلات عليا وخدمة واعرة ومشكلتي مازال ماتزوجت)!
وهنا تظهر عقدة بعض بنات حواء في العيش بعيدا عن آدم ويتجلى بوضوح خوفهن من الاستقلالية. عقدة الأكيد أنهن لم يخترنها طواعية لكنها فرضت عليهن باسم المجتمع وتحت غطاء التقاليد والعادات والأعراف وإن لم يعترفن بها!!
فكثيرات ممن تمردن ظاهريا على عقدة سندريلا وصرحن بلامبالاتهن بوجود الفارس الأمين الشجاع، لكنهن للأسف قد يعانين لاشعوريا من أعراض العقدة، لتنحصر هموم شريحة هامة من نساء العصر في العنوسة وتتمحور حياتهن في الظفر بعريس /زوج “يحميهن من بطش الحياة”، مع أن من استطاعت أن تصعد إلى الفضاء ومن نجحت في الفوز بألقاب عالمية ومن حققت نجاحات مثالية لن تتعثر في قيادة سفينة الحياة لوحدها. لكن نساء كثيرات يتخبطن بين تجارب عاطفية فاشلة وبين فراغ عاطفي يجعلهن حبيسات مشاعر الكآبة والحزن، لتترسخ في الأذهان ومن جديد صورة المرأة العاطفية المنهارة عند أول اختبار. اختبار يستطيع فيه الرجل أن يخرج نفسه من حياة المرأة بدون استئذان، لتظل هي تتجرع ولوحدها مرارة الفراق وربما أيضا تبعات العلاقة، شرعية كانت أم لا.
من الصعب اليوم أن نفرض على الفتاة قالب المدللة الأميرة الجميلة لأن الحياة اليومية بإكراهاتها وصعابها باتت تتطلب شخصيات صامدة عصامية وأكثر واقعية. فالأنوثة لم تعن يوما الاعتمادية والعيش في الظل وللنساء الحق في الخروج من رداء السندريلا .
دامت لكن السعادة بوجوده -هو- أو بدونه فأنتن ولوحدكن قادرات على الاستمتاع باللحظة، وكما خلقت حواء لآدم خلق آدم لينتظر حواء…

[1] Colette Dowling (1981). The Cinderella Complex: Women’s Hidden Fear of Independence. Simon & Schuster

[2] Colette Dowling (1981). The Cinderella Complex: Women’s Hidden Fear of Independence. Simon & Schuster

What do you think?

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s